ابراهيم بن عمر البقاعي

539

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

بِغَيْرِ الْحَقِّ فأشعر أن السرور لا ينبغي إلا إذا كان مع كمال هذه الحقيقة ، وهي الثبات دائما للمفروح به ، وذلك لا يكون إلا في الجنة وَبِما أي وبسبب ما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ * أي تبالغون في الفرح مع الأشر والبطر والنشاط الموجب الاختيال والتبختر والخفة بعدم احتمال الفرح . ولما كان السياق لذم الجدال ، وكان الجدال إنما يكون عن الكبر ، وكان الفرح غير ملازم للكبر ، لم يسبب دخول النار عنه ، بل جعله كالنتيجة لجميع ما مضى فقال : ادْخُلُوا أي أيها المكذبون . ولما كان في النار أنواع من العذاب ، دل على تعذيبهم بكل نوع منها بذكر الأبواب جزاء على ما كانوا يخوضون بجدالهم في كل نوع من أنواع الأباطيل فقال : أَبْوابَ جَهَنَّمَ أي الدركة التي تلقي صاحبها بتكبر وعبوسة وتجهم خالِدِينَ فِيها أي لازمين لما شرعتم فيه بالدخول من الإقامة لزوما لابراح منه أصلا . ولما كانت نهاية في البشاعة والخزي والسوء ، وكان دخولهم فيها مقرونا بخلودهم سببا لنحو أن يقال : فهي مثواكم ، تسبب عنه قوله : فَبِئْسَ مَثْوَى دون أن يقال : مدخل الْمُتَكَبِّرِينَ * أي موضع إقامتهم المحكوم بلزومهم إياه لكونهم تعاطوا ما ليس لهم ، ولا ينبغي أن يكون إلا اللّه يقول اللّه تعالى : « الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعنيهما قصمته » « 1 » ولم يؤكد جملة ( بئس ) هنا لأن مقاولتهم هذه بنيت على تجدد علمهم في الآخرة بأحوال النار ، وأحوال ما سببها ، والتأكيد يكون للمنكر ومن في عداده ، وحال كل منهما مناف للعلم ، وزاد ذلك حسنا أن أصل الكلام مع الأعلم للسر الذي تقدم - صلّى اللّه عليه وسلّم فبعد جدا من التأكيد . ولما كان في هذا الجزاء أعظم الشماتة بهم ، فكان فيهم أعظم التسلية لمن جادلوه وتكبروا عليه ، سبب عنه قوله : فَاصْبِرْ أي ارتقابا لهذه النصرة ، ثم علل بقوله مؤكدا لأجل تكذيبهم بالوعد : إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ أي الجامع لصفات الكمال حَقٌّ أي في نصرتك في الدارين فلا بد من وقوعه ، وفيه أعظم تأسية لك ولذلك سبب عنه مع صرف القول إلى ما يأتي الاعتراض إشارة إلى أنه لا يسأل عما يفعل ، قوله تعالى : فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ وأكده ب « ما » والنون ومظهر العظمة لإنكارهم لنصرته عليهم ولبعضهم بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أي بما لنا من العظمة مما يسرك فيهم من عذاب أو متاب قبل وفاتك ، فذاك إلينا وهو علينا هين .

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه مسلم 2620 والبخاري في الأدب المفرد 552 من حديث أبي سعيد وأبي هريرة . وأخرجه أبو داود 4090 وابن حبان 328 وابن ماجة 4174 والطيالسي 2387 وأحمد 2 / 248 و 376 من حديث أبي هريرة .